أحمد أمين

94

كتاب الأخلاق

التي ترشد إليها تلك الحاسة قد تتضارب ، وحينئذ نحتاج إلى البحث لنرقى هذه الحاسة ولنوجد حلا لهذا التضارب . أما على مذهب السعادة ، فالدراسة الأخلاقية لها أثر كبير في الحياة العملية ؛ لأن هذه النظرية تحدد الغرض من الحياة : وهو إما سعادة الفرد على رأي مذهب السعادة الشخصية ، وإما سعادة المجموع على رأي مذهب المنفعة . وعلى هذا يكون الغرض من البحث العلمي توضيح هذه الغاية وإضاءتها ، ورسم أوضح الطرق وأخصرها للوصول إليها . وعلى مذهب النشوء والارتقاء لا تبلغ الفائدة العملية للبحث العلمي مبلغها عند مذهب السعادة ؛ لأنه إذا كانت عملية ارتقاء النوع الإنساني في اطراد ، وكانت أمرا حتما لا مفر منه ، وكانت هناك قوانين ثابتة تعمل على ترقيته ، فليس للباحث الأخلاقي إلا التمتع بمشاهدة هذه العمليات والإعجاب بها ، وعلى هذا لا يكون لعلم الأخلاق قيمة عملية كبيرة ، ولكن من القائلين بهذا المذهب من يرى أن القوانين تعمل لترقية العالم ، وعمليات النشوء والارتقاء يمكن أن تقوى وتساعد ، فالحكومة وفروعها ونظام التربية والتعليم والنظم الدينية والأسرة والجمعيات الخيرية وجماعات العمال ، كل هذه يتساند بعضها إلى بعض ، ويعمل على ترقية المجتمع ، وهذه العوامل يمكن أن تغذى تغذية صالحة فتقوى ويكون عملها في الترقية أتم ، ويمكن عكس ذلك ، وحينئذ تكون للدراسة العلمية فائدة كبرى ؛ إذ هي تكشف هذه القوانين وتبين الوسائل التي تعينها ، وتضاعف سيرها ، وتكسبها قوة على قوتها . القانون الأخلاقي والقوانين الأخرى الإنسان في هذه الحياة محاط بقوانين كثيرة ، ملزم بالخضوع لها جميعا ، فأول تلك القوانين « القوانين الطبيعية » ، وهي القوانين التي تشرح لنا طبائع الأشياء ، مثل قوانين المد والجزر والجذب العام والكهرباء ونحو ذلك ، وهذه القوانين ثابتة لا تتغير ولا يمكن مخالفتها ، جارية على سنن واحد ، عرفها الناس أو جهلوها ، وقد يتغير علمنا بها ورأينا فيها . أما القانون نفسه ، فلا يتغير ؛ فالناس مثلا كانوا يعتقدون أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها ثم تغير رأيهم ، وأثبت العلم أن